أبي طالب المكي
126
علم القلوب
يطمئن إلى جبرائيل ما عرفت اللّه طرفة عين . قال بعضهم : العارف ينظر باللّه ، والمؤمن ينظر بنور اللّه ، والعارف يطمئن باللّه ، والمؤمن يطمئن بذكر اللّه ، وقلب المؤمن يعتصم بحبل اللّه ، والعارف يعتصم باللّه ، وللمؤمن قلب ، وليس للعارف قلب ، وأنشد في ذلك : يقولون لي قلب فها أنا فتشوا * فإن كان لي قلب فما أنا صادق وقيل : من سكن إلى غير اللّه فهو من قلة معرفته باللّه ، ومن سكن إلى اللّه ، فهو من قلة معرفته بدقائق مكر اللّه . وقال أبو يزيد : أدنى ما يجب على العارف أن يهب لمولاه ما ملكه مولاه ، حتى يصير كله لمولاه ، فيحصل له مولاه ، فإذا حصل له مولاه ، فكأنه عاد إليه كل الكل بالكلية ، فيصير به غنيا وإليه فقيرا . وسئل أبو يزيد : ما علامة العارف ؟ قال : ألا يفتر عن ذكره ، ولا من ذكره ، ولا يمل من حقه ، ولا ينتقص من حبه ، ولا يستأنس بغيره ، وكيف يفتر عن ذكره ، ولولا ذكره لما طاب للعارف عيشه ؟ ! [ و ] كيف يمل من حقه ، وهو لا يتنعم إلا به ؟ ! وكيف ينتقص من حبه ، وقد عرف سره ولبه ؟ ! وكيف يستأنس بغيره ، وهو لا يجد مثله ؟ ! وقال معروف الكرخي : ليس للعارف نعمة ، وهو في كل نعمة ، وليس له راحة ، وهو في كل راحة ، وليس له اختيار ، وقد اختاره المختار وجعله خيار الخيار ، فما يصنع بالاختيار . وقال أبو يزيد : المعرفة في ذات اللّه جهل ، والعلم في حقيقة المعرفة حياة ، والإشارة من المشير شرك في الإشارة « 1 » ، والعارف جسمه قد هزل ، وروحه قد رحل ، وسره قد نزل ، ما يريد بمولاه بدلا ، ولا ينبغي له مولا ، وكلما أراد أن يقول : أنا ، أو أنت ، ناداه الجليل : أنا أنا ، ولا أنت . وقال أبو يزيد : [ أبعد ] الخلق من اللّه أكثرهم إشارة إلى اللّه ؛ لأن العارف قد انقطع إلى اللّه ، وحصل مع « 2 » اللّه ، فكيف يشير إلى اللّه ؛ لأن الإشارة لمن بعد عن اللّه .
--> ( 1 ) لأن عارف اللّه لا يرى لغيره وجودا ، فلا يصح أن يشير إلى سواه ، فإذا أشار إلى اللّه تعالى ، فذلك خطأ في المعرفة يفسره قول أبى يزيد بعده . ( 2 ) حصل مع اللّه بروحه ، وسره ، وعقله ، ونفسه ، وفكره ، لا حصول حلول ، واتحاد ، كادعاء الزنادقة .